Abu Yehya Dabke

أبو يحيى | أسطورة الدبكة البعلبكية

أستاذ كلّ من أراد تعلّم الخطوات; لم يكن له منافس قط بالأسلوب أو التعبير الرجولي لخطوات الرقص، هو الجبل الذي حمى التراث للأجيال القادمة.

أبو يحيى الصلح- عميد الدبكة البعلبكية | Zakaria Solh- Father of Baalbeckian Dabke (Abou Yehya)

زكريا إسماعيل صلح، ولد وتوفّى في بعلبك، عشق تراثها وتاريخها، وعشقه أهل بعلبك. منذ سنين مراهقته الأولى، عندما كان في السادسة عشر ربيعًا في حي صلح في بعلبك، لفت زكريا صلح الأنظار في أعراس المدينة. إذ كانت الأعراس متنفّسًا للنّاس كي يعبّروا عن الفرح، كانت دبكة أبو يحيى مقصدًا لمن يفرّون من روتين الحياة في الليالي ليشاهدوا كيف يصبح رقص الأكتاف فناً، وكيف تكون الدبكة تعبيرًا عن الرجولة، كأنّما الأقدام تسير بخطواتها نحو معركة، وكأنّ إيقاع الطّبول أحصنة تنذر الحاضرين باقتراب الحرب، ثمّ يُعلنها أبو الهيبة حربًا: “عليهم بالعرجة”، تعبيره المفضل لإعلام الراقصين أنهم سوف يؤدون دبكة العرجة.

أبو يحيى الصلح- عميد الدبكة البعلبكية | Zakaria Solh- Father of Baalbeckian Dabke (Abou Yehya)

عندما تأسّست فرقة التراث، عاهد أبو يحيى الجميع، واضعاً إصبعيه على شاربيه المعقوفين، على أن يكون الفارس الذي يحرس التراث ويصونه وينفض عنه الغبار ويزيده رونقاً وتألقاً. صحيح أنّ بعلبك كانت ولا تزال حاضنة التراث اللّبناني، لكنّ العديد من الدبكات والاغاني كانت تشارف على الموت في القرن الماضي، فقد بهت اهتمام النّاس بالتراث، وأصبحت الدبكة ماضٍ جميل على مشارف أن توضع في خانة التقاليد المنسيّة. جاء ابو يحيى وابو مصطفى وابو ماجد وسائر اعضاء فرقة التراث التي كان يرعاها نضال صلح ليعيدوا الحياة إلى التراث والفولكلور، كوسيلة لتأكيد أنّ هوية بعلبك باقية ولن يمحي ذكرها تمدّن أو تقدّم بشري.

العرجة، الزينو، العسكرية، البداويّة، الشمالية، الطيراوية كانت دبكات تسري في دم زكريا صلح. فبمجرّد أن يطلق أبو مصطفى شلحة العنان لحنجرته بأوّل “أوف”، يردّد خلفه أعضاء الفرقة الغناء والشّعر، قبل أن ينفخ أبو رشيد صلح الحياة في منجيرته. بكتفين عريضين وشاربين كثيفين، يستلم أبو يحيى الحاشية (قيادة حلقة الدبكة). ويبدأ الحوار بين اللّحن والخطوة، يهيّئ أبو رشيد الللّحن ويبنيه، ثمّ يطلق العنان للّحن الحماسي، فيردّ عليه أبو يحيى والفرقة بخطوات تتغلّب أحيانًا على النّغم بالجمال، ثمّ تهدأ المعركة، ويعود أبو مصطفى ويصدح بصوته الرّنّان. لا يمكن للمشاهد مراقبة هذه الخطوات الرشيقة دون ملاحظة القدرة التعبيرية في وجه أبو يحيى. دون أن يتلقّى أيّة دروس في التعبير المسرحي، يجبرك “أبو الهيبة” على فهم ما يرسمه بخطوات جسده عبر وجهه، فها هي العبسة عند الثبات بالحركة، والبسمة مع الانتقال من حركة إلى أخرى، أمّا عيني الصقر في وجهه فهي ما يمنعك أن تتجرّأ على مراقبة سواه. ينصرف بعدها ابو يحيى عن الفرقة ليخرج برقصة ارتجالية خاصة به أمام الحضور، يؤكّد بها لهم سبب تطويبه ملك الدبكة البعلبكية.

أمّا نمط الغناء البعلبكي فيتميّز عن كلّ الأنماط اللّبنانية والعربية، فالعتابا والميجانا والقصيد والشروقي واللا الطيرانية كلّها تُصبغ بنفحة “حوربة” كأنّ الراقصين فعلًا ذاهبين إلى المعركة. وهكذا نستطيع فهم الدبكة البعلبكية من الغناء، هي رقصة حرب… تتميز بحركة الأكتاف ولوحتها، كونها تأتي من صفوف العرضات البدوية، عرضة السيف التي يرقصها البدو في الحرب. أمّا لباسهم فهو اللباس العربي التقليدي (الثّوب العربي مع الحطّة والعقال أو الشروال والصاية) والذي ما زال أهل بعلبك يتفاخرون بلبسه إلى يومنا هذا.

أحبّه الناس ولم يبعده عن الأعراس والحفلات تعب أو مرض، وكان ينتفض من مكانه بمجرد أن يعزف أبو رشيد على نايه. حتّى في الثمانين من عمره، كان لا يزال يحتفظ بكل عنفوانه وهمّته وهيبة تعابيره الراقصة. كنتَ إذا راقبته، تفتح عينيك أوسعها لترسم في ذاكرتك كلّ خطواته، ولا تشبع. هو الأصل والرونق، لا يركّز على حركة واحدة ليتميّز، كانت كلّ خطواته مميّزة، تشبه شخصيّته. هو من زرع بذور التراث في كلّ فرق بعلبك التراثية، بذور أنتجت فرقاً من الشباب والصبايا يقدمون عروض الدبكة البعلبكية للعالم، لعلّ أبرز تلك الفرق فرقة هياكل بعلبك.

Learn Dabke with easy steps | تعلم الدبكة

Follow us on TikTok, Fb and Ig


Posted

in

by

Comments

Leave a comment